غذاء الروح

تأمل اليوم : البتوليّة بعد الولادة

إنّ الكنيسة بتأكيدها بتوليّة مريم العذراء حتّى بعد ولادتها ابنها يسوع، تعلن عن اعتقادها أنّ مريم لم يكن لها علاقة جنسيّة مع أيّ رجل لا قبل ولادتها يسوع ولا بعدها، وأنّه لم يكن لها أولاد غير يسوع. تلك الحقيقة دافع عنها آباء الكنيسة، منذ ما قبل مجمع أفسس، وبنوع خاصّ القدّيس إيرونيموس والقدّيس أمبروسيوس في الغرب وقبلهما أوريجانيس في الشرق. وقد أجاب هؤلاء على بعض اعتراضات وردت من تفسير خاطئ لبعض نصوص العهد الجديد وأوضحوا معنى هذه الحقيقة على صعيد العقائد.

“حتى ولدت ابنها” (متى 1/ 25)، “فولدت ابنها البكر” (لو 2/ 7)

ورد في إنجيل متّى أنّ يوسف، بعد أن تراءى له ملاك الربّ وقال له ألّا يخاف من أن يأخذ امرأته مريم لأنّ الذي حبل به فيها إنّما هو من الرّوح القدس، “لمّا نهض من النوم، فعل كما أمره ملاك الربّ، فأخذ امرأته ولم يعرفها حتّى ولدت ابنها فسمّاه يسوع” (متى 1/ 24-25).قد يعترض البعض: فقول الإنجيل “ولم يعرفها حتّى ولدت ابنها البكر” يعني أنّ يوسف عرف مريم بعد ذلك.

على هذا الاعتراض نُجيب مع التقليد الكنسيّ: استنادًا إلى مقاطع أخرى من الكتاب المقدّس، هذا التعبير هو توضيح فقط لما حدث قبل ولادة يسوع، أي إنّ يوسف لم يعرف مريم قبل ولادتها يسوع وأنّ يسوع إذن وُلد بشكل بتولي. ولكنّ هذا التعبير لا يعني مطلقًا أنّه عرفها بعد ذلك. ولنا مثل على هذا التعبير قول الكتاب المقدّس إنّ “ميكال ابنة شاول لم تلد ولدًا حتّى ماتت” (2صم 6/ 23). فهل يعني ذلك أنّها ولدت ولدًا بعد موتها؟.

أمّا لقب “البكر” الذي يُطلق على يسوع (لو 2/ 7) فلا يعني أنّ له إخوة أصغر منه. فالبكر، في مصطلح الناس ومصطلح الكتاب المقدّس، هو الولد الذي لم يولد قبله آخر، سواء وُلد بعده غيره أم لم يولد. ولذلك يسمّيه الكتاب تارةً البكر وأخرى “فاتح رحم” على حدّ سواء. فضلا ً عن أنّ الكتاب المقدّس واليهود كانوا يحرصون شديد الحرص على الاحتفاظ بهذه التسمية “لفاتح الرّحم”، حتى وإن لم يعقبه أخ أو إخوة، لأنّ الناموس الموسويّ كان يفرض عليه واجبات خاصّة تجاه الله: “إنّ كلّ ذكر فاتح رحم (أي بكر) يكون مقدّسًا للربّ”، ولا بدّ من تقدمته للربّ (لو 2/ 22-23). ولذلك كان من الواجب أن يخضع يسوع لهذا الناموس فيقدّمه أبواه للربّ ويفتدياه بزوجي يمام أو فرخي حمام بحسب الشريعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى